ابن كثير
133
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ هذا تقديس وتنزيه من الملائكة للّه تعالى أن يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء وأن يعلموا شيئا إلا ما علمهم اللّه تعالى ولهذا قالوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ أي العليم بكل شيء الحكيم في خلقك وأمرك وفي تعليمك من تشاء ومنعك من تشاء لك الحكمة في ذلك والعدل التام . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا حفص بن غياث عن حجاج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس : سبحان اللّه ، قال تنزيه اللّه نفسه عن السوء ، ثم قال عمر لعلي وأصحابه عنده : لا إله إلا اللّه قد عرفناها ، فما سبحان اللّه ؟ فقال له علي : كلمة أحبها اللّه لنفسه ورضيها وأحب أن تقال . قال : وحدثنا أبي حدثنا ابن نفيل حدثنا النضر بن عربي قال : سأل رجل ميمون بن مهران عن سبحان اللّه ، قال : اسم يعظم اللّه به ، ويحاشي به من السوء . قوله تعالى : قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ قال زيد بن أسلم : قال : أنت جبرائيل أنت ميكائيل أنت إسرافيل حتى عدد الأسماء كلها حتى بلغ الغراب . وقال مجاهد في قول اللّه قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قال اسم الحمامة والغراب واسم كل شيء . وروي عن سعيد بن جبير والحسن وقتادة نحو ذلك ، فلما ظهر آدم عليه السلام على الملائكة عليهم السلام في سرده ما علمه اللّه تعالى من أسماء الأشياء ، قال اللّه تعالى للملائكة أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ أي ألم أتقدم إليكم إني أعلم الغيب الظاهر والخفي كما قال تعالى وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى [ طه : 7 ] وكما قال إخبارا عن الهدهد أنه قال لسليمان أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ . اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [ النمل : 25 - 26 ] وقيل في قوله تعالى : وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ غير ما ذكرناه ، فروى الضحاك عن ابن عباس وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ قال يقول : أعلم السر كما أعلم العلانية يعني ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار . وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة قال : قولهم أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ الآية ، فهذا الذي أبدوا وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ يعني ما أسر إبليس في نفسه من الكبر . وكذلك قال سعيد بن جبير ومجاهد والسدي والضحاك والثوري ، واختار ذلك ابن جرير . وقال أبو العالية والربيع بن أنس والحسن وقتادة : هو قولهم : لم يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه . وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فكان الذي أبدوا هو قولهم : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ، وكان الذي كتموا بينهم هو قولهم : لن يخلق ربنا خلقا إلا كنا نحن أعلم منه وأكرم ، فعرفوا أن اللّه فضل عليهم آدم في العلم والكرم . وقال ابن جرير : حدثنا يونس حدثنا ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في